مدينة العيون.. مدينة الرفاهية فعلا!
بقلم: بنعبد الفتاح محمد سالم

لو قدر الله لك أن تكون من قاطني مدينة العيون فستحظى بشكل شبه يومي بمشاهدة الاعتصامات والمظاهرات المنظمة من مختلف الفئات الاجتماعية في شوارع المدينة وقبالة إداراتها الرئيسية، وستتابع مشاهد التدخلات الامنية في حق المتظاهرين وتفكيك وقفاتهم السلمية…، كما ستعيش على وقع الظواهر الاجتماعية المتفاقمة كارتفاع معدلات البطالة والعزوف عن الزواج والعنوسة والطلاقة…، وما طوابير المتقاضين في محكمة الاسرة بالمدينة ببعيد، عدى عن ارتفاع الاسعار والتلاعب بالعقار وفضائح النهب والاختلاس والاحتيال على المواطنين البؤساء التي كان آخرها فضيحة سمسرة بطائق الانعاش الوطني…

أما سياسيا، فستعيش على وقع تصدر مجموعة من الوجوه الفاسدة المعروفة باستفادتها من الريع والامتيازات على حساب عموم الساكنة طوال عقود من الزمن للمشهد السياسي، كما ستحظى من حين لآخر بمتابعة صعود بعض محدثي النعمة من أذنابهم، حيث يتم توظيف الميزانيات العمومية لتجنيد الاتباع، ويتم اللجوء الى نبش الصراعات القبيلة وتحريك الحس القبلي والمناطقي العنصري في كل موعد انتخابي…، وفي حال فكرت في انتقاد الوضع القائم فتهم الخيانة والانفصال جاهزة، لمواجهة كل من تسول له نفسه التغريد خارج السرب والخروج عن طوع “كروش لحرام”…

أما خدميا فلنبدأ بالخدمة الأهم لدى بني البشر، حيث ستتمتع بتذوق مياه الصنبور الغير صالحة للشرب ذات الطعم واللون الغريبين، وستضطر الى انفاق جزء مهم من مدخولك لشراء المياه المعلبة او التكفل بميزانية نقل المياه المستقدمة من آبار اقليم طانطان (300 كلم شمالا) إذ تصل تكلفتها الى 60 درهم للبرميل…

وأما في ما يتعلق بموضوع الأمن، فبالإضافة الى انتشار الجريمة وغياب الامن المسجل في معظم الاحياء الشرقية، فلا شك أنك ستشهد الطفرة الحاصلة في أعداد الخارجين عن القانون والسكيرين ومدمني المخدرات، وانتشار ظواهر الادمان وتجارة المخدرات وعصابات التهريب، حتى باتت العصابات تقدم على تصفية حسابات في وسط أحياء المدينة، حيث يتم استغلالها من طرف السياسيين والمنتخبين في الحملات الانتخابية وفي تكوين الميليشيات البلطجية، عدى عن تكاثر المختلين عقليا والمتسولين الذين باتوا ينتشرون في شوارع المدينة ويقضون مضجع ساكنة المدينة بشكل متزايد…

وبخصوص النقل العمومي فستعيش في ظل فوضى حقيقية حيث ستكون محظوظا ان وجدت سائق سيارة أجرة يقبل بتوصيلك الى أحياء المدينة الشرقية، في حين تتم محاربة النقل السري-العلني الذي يسد ثغرة خدمة النقل العمومي بالمدينة…، كما لن تستطيع الوقوف على تسعيرة محددة للنقل حيث ستكون ضحية التفاهمات والصراعات القائمة ما بين نقابات عمال النقل والمشغلين من جهة والسلطات والجهات الوصية من جهة أخرى…

وفي ما يتعلق بالبنية التحتية فتسمع الكثير من الوعود والاماني، لكنك فستضطر لركوب غمار المخاطرة بحياتك عند كل سفر، حيث تعج وسائل الاعلام بأخبار حوادث السير المميتة التي تتسبب فيها في الغالب رداءة الشبكة الطرقية وضعف الصيانة بالإضافة الى الاختلالات المتعلقة بتدبير الصفقات العمومية المتعلقة بها، حيث تنتشر ظواهر الزبونية والمحسوبية وتسيطر عليها قلة قليلة من الوجوه المستفيدة من الوضع بعموم الاقليم…

وبالنسبة لخدمات التعليم العمومي، فأنت مضطر لأن تقطع آلاف الكيلوميترات وأن تتغرب في مدن الشمال لكي تحظى بحقك الطبيعي في استكمال تعليمك الجامعي، حيث تغيب خدمات التعليم العالي العمومية في المدينة…، أما إذا كنت رب أسرة من الطبقتين المتوسطة أو الفقيرة فأنت أمام خيارين أحلاهما مر، إما أن يدرس أبناءك على وقع الاهمال والازدحام داخل الاقسام في المدارس المدارس العمومية حيث يفرض عليهم التسجيل في حصص الدعم المدفوعة الاجر حتى يتسنى لهم نيل معدلات لا يستحقونها، أو أن تتكبد إنفاق الميزانيات الباهظة في مدارس التعليم الخاص الذي لا تختلف جودته كثيرا عن التعليم العمومي، حيث ستكون ضحية الفوضى التي يعيشها التعليم الخصوصي بسبب تلاعبات سماسرة المدارس الخاصة ومسئولي الادارات الوصية…

وبخصوص خدمات الصحية العمومية فستكون مضطرا عند كل وعكة صحية الى السفر الى مدن الشمال أيضا، بسبب ضعف الخدمات المقدمة بالمدينة وغياب التجهيزات الضرورية ونقص الطاقم الطبي، حيث تشهد المرافق الصحية المحلية العديد من مظاهر الفوضى من محسوبية وزبونية، كما تعيش على وقع الازدحام والاهمال الذي يتعرض له المرضى والذي يؤدي في كثير من الاحيان الى حالات مشاحنات واصطدامات وحتى وفيات بسبب الاهمال…

على العموم ليس مستغربا أن تتربع مدينة العيون الى جانب مدينة الداخلة على عرش تصنيف الرفاهية المقدم من طرف إحدى مكاتب الدراسات المغمورة، فالمدينة تشهد إنشاء العديد من المشاريع المتعلقة بتزيين مظهرها، حيث تصرف ميزانيات هائلة في السنوات الأخيرة، خاصة ما يتعلق بإنشاء الساحات العمومية والفضاءات الخضراء وتزيين الشوارع، وهي المشاريع التي يتم التلاعب بالصفقات المتعلقة بها حيث تستغل من طرف القلة القليلة المنتفعة للاغتناء ومراكمة الثروات وكذا تجنيد الاتباع…، لكن -هنا مربط الفرص- يتم تبريرها بموجب دراسات مدفوعة الأجر مقدمة من بعض المكاتب المتخصصة في خدمة السياسيين الذين يحتلون مواقع المسئولية والمتواجدين على رأس المجالس المنتخبة بدل خدمة الصالح العام، بدليل إعطاء الأولوية لمشاريع التزيين على حساب مشاريع انشاء البنى التحتية الحقيقية والخدمات الرئيسية…

ليت مكتب الدراسات المعني – إن كان فعلا يروم الوقوف على حقيقة الوضع- أن يقدم دراسة ميدانية يقف من خلالها على مظاهر الخلل المتعلقة بالمشروع التنموي المحلي، ويرصد من خلالها الأخطاء والانحرافات المسجلة والمتفاقمة فيه, بدليل الأرقام الرسمية التي تؤكد ازدياد معدلات الهشاشة والبطالة في الاقليم، بدل تزييف الواقع وتزويره في إطار صفقات مشبوهة لم تعد تنطلي على أحد.

لكن لا غرابة في صدور نتائج وتوصيفات من ذلك القبيل من طرف هكذا مكاتب، فمن يعتكف داخل الابراج العاجية والمكاتب المغلقة ويستفيد من الريع والفساد على حساب معاناة الأغلبية الساحقة من المواطنين البسطاء، سيعيش بكل تأكيد في رفاهية منقطعة النظير…