من العيون : 

حسن الزواوي / باحث في العلوم السياسية 

تشكل احتجاجات منطقة الريف مناسبة لدراسة تطور العلاقة القائمة بين الدولة و المجتمع بالمغرب ولاسيما بهذه المنطقة التي ظل تاريخ تواصلها بالسلطة المركزية موسوما بصراع خفي لا يمكن فهم مراميه و أبعاده دون النبش في حفريات التاريخ السياسي الذي لا يزال امتداده يتجسد في الحراك الاجتماعي الذي تعرفه مدن الريف.
ترتبط أحداث الريف بواقع موسوم بخصوصية ثقافية تجد مشروعيتها في تنظيم اجتماعي متميز بآلية التضامن الآلي التي تفسر طرق التعبئة ودينامية اشتغالها و تعكسه أيضا شعارات الحراك وسلوك المحتجين، حيث ركزت مطالب الفئات المحتجة على سنوات التهميش الاقتصادي و الاجتماعي الذي عانت منه منذ فجر الاستقلال. إذ أصبح التهميش محددا أساسيا للذاكرة الجماعية و السياسية لأهل الريف، و يتم استحضاره بشكل دائم في كل المحطات الاحتجاجية بهذه المنطقة التي تشكل المظاهرات المستمرة بمدنها الرئيسية أحد أهم التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية على مستوى طرق احتوائها.
تكمن أهمية الاستحضار الدائم للتهميش و الإقصاء التاريخي من طرف المحتجين في دوره التعبوي داخل سياق مقترن بالزمن الاحتجاجي. و لقد لاحظنا كيف كانت مطالب المحتجين مؤطرة بمصطلحات مثل التهميش و الحكرة… و منصهرة داخل قالب مفاهيمي ساهم في التجدر الاجتماعي لما نطلق عليه هنا بالعصبية الاحتجاجية، لأن الحراك الاجتماعي شكل فرصة لتأكيد النزعة ”المجالية و الإثنية” للمحتجين . و للتعمق أكثر في فهم أسباب هذه النزعة يتطلب الأمر هنا تحليل كيفية ارتباط شروط اندلاع شرارة الاحتجاج بعوامل السخط المتولدة عن ”عدم الاستفادة من خيرات المنطقة ” حسب تعبير الفئات المحتجة.

الإشارة إلى هذه المعطيات ساعدنا على اكتشاف بعض أوجه التشابه في طرق و مرتكزات صناعة الفعل الاحتجاجي بين كل من الريف و الأقاليم الصحراوية؛ إذ أسفر، مثلا، الاستثمار الاحتجاجي لمعطى الخصوصية الثقافية ” الصحراوية و الريفية ” في بروز ما يسميه علماء الاجتماع بالهوية النضالية والتي لا تتميز فقط بجعل كل ما هو متعلق بهذه الهوية يعد بمثابة قضية “مقدسة” بل تستند إلى المقوم الهوياتي كميكانيزم مهيكل للفعل الاحتجاجي، ذلك أن الزمن الاحتجاجي يصبغ على معطى الخصوصية طابعا حماسيا يلهب مشاعر المحتجين و يمنحهم المزيد من الجرأة. هنا تكتسي العلاقة بين ‘’نحن و الأخر’’ بعدا سوسيوسياسيا يستمد تفسيره من الطرق التي يتم بواسطتها استحضار معطى وحدة الانتماء لنفس الثقافة و المجال الجغرافي كمحرك مركزي في صناعة الاحتجاج و تطوير أشكاله التعبيرية.
كما نلاحظ أيضا العلاقة الجدلية التي تربط الفعل الاحتجاجي بمخرجات السياسات العمومية المتبعة في كل من الريف و الأقاليم الصحراوية، حيث تلح مطالب المحتجين على ضرورة إعادة النظر في طرق تنزيل مشاريع التنمية وفق منظور يراعي أولويات المنطقة كما تؤكد هذه المطالب على ضرورة محاسبة ”مفترسي التنمية” أي المسؤولين عن تبذير المال العام. الأمر الذي جعل من الفعل الاحتجاجي حسب هذا التصور يعبر عن أزمة تتحكم فيها مجموعة من العوامل سوسيواقتصادية، ذلك لأنه ليس إلا نتاجا طبيعيا لانعدام التوازنات الاجتماعية والاقتصادية ثم كذلك السياسية ولإدراك المحتجين للأجهزة و الأشخاص المسؤولين عن هذه الاختلالات. و بالتالي فإن تبلور هذا الإدراك هو ما جعل الممارسة الاحتجاجية تولد وتتطور في جو محفزات شديدة التعقيد ومتحينة لفرصة التعبير عن عدم الرضا على الوضع القائم.
أما فيما يخص المقاربة المعتمدة من طرف الدولة من أجل تدبير الاحتجاجات فلا زالت أسيرة سياسة أمنية كلاسيكية تعتمد على استعمال القوة المادية الزجرية و التي لم تسهم إلا في المزيد من تعقد العلاقات القائمة بين الدولة و المجتمع. و لقد زكت المعالجة الأمنية الصرفة للكثير من المطالب الاقتصادية و الاجتماعية الطرح القائل بأن كيفية تفاعل الأجهزة الأمنية للدولة مع الاحتجاجات يؤكد فرضية كونها تشكل امتدادا ماديا و شكليا لنموذج الدولة العربية التي تمتلك الكثير من العضلات و القليل من الذهن حسب تعبير عبد الله العروي.
هذا مايبرز لنا إشكالية عميقة متعلقة أساسا بكيفية تحديث و تطوير آليات السياسة الأمنية المتبعة وفق استراتيجية تواكب الديناميكيات و التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي خصوصا بعد ما تمخض الحراك الاجتماعي الذي عرفه المغرب سنة 2011 عن ميلاد حركة 20 فبراير الاحتجاجية التي تجاوز سقف مطالبها ما هو اجتماعي ليستبطن مطالب سياسية كانت من قبل حكرا على الأحزاب السياسية والنقابات بالمغرب. ويؤشر ذلك على تطور المحددات السوسيولوجية للحركات الاجتماعية بالمغرب، كما يبرر ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أهمية المتغير الديمغرافي في دراسة هذه الحركات. فقد واكبت الانتقال الديمغرافي مجموعة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في بروز الشباب كفاعل أساسي في الحراك الاجتماعي بالمغرب، مما يؤكد ضرورة دراسة الديناميكية السياسية التي شهدها ويشهدها الحقل السياسي المغربي في علاقتها السببية بالديناميكية الاجتماعية والديمغرافية نظرا لدور هذه الأخيرة في زعزعة الأسس الذهنية والقيمية التي يرتكز عليها النظام الاجتماعي والثقافي المتمثل فيما خلصت إليه الدراسة التي أنجزها’’ إمانويل تود ويوسف كورباج Youssef Courbage و ‘’Emmanuel Todd في تحليلهما لما يسميانه بالانتقال الديمغرافي في العالم العربي وانعكاساته على مسار الربيع العربي.
لقد أكد هذان الباحثان على دور الحداثة الاجتماعية والاقتصادية في تآكل بنيات السلطة الأبوية وانعتاق الشباب من التسلط الاجتماعي، وذلك بفضل ارتفاع نسبة تعليمهم وانفتاحهم على ما تقدمه لهم التكنولوجيا في مجال التواصل ونخص بالذكر هنا الشبكات الاجتماعية.
تترجم طبيعة الاحتجاجات التي عرفتها بعض المدن المغربية منذ سنة 2011 وعيا شيقا أصبح يلازم المواطن في علاقته بمؤسسات الدولة، وتمثلاث اجتماعية جديدة للسياسة و للفعل العمومي الذي أصبح تقييمه يشكل أحد مظاهر الاهتمام المتنامي بكل ما يتعلق بالتنمية المحلية أو الجهوية. تحول هذا الاهتمام بالشأن المحلي إلى موعد مع ممارسة السياسة و لكن وفق شكل احتجاجي تعبر مضامينه عن ميلاد فاعل سياسي جديد متعطش للمشاركة السياسية حسب تصور يهدف إلى إحداث قطيعة مع كل الأشكال الكلاسيكية للالتزام السياسي. ولذلك يجب تفسير الفعل الاحتجاجي كأحد الأشكال غير التعاقدية للممارسة السياسية التي تفسر في نفس الوقت أسباب أزمة السياسة و الأحزاب السياسية التي غدت عاجزة أكثر من أي وقت مضى عن لعب دورها التأطيري و السياسي، حيث لم تعد سوى مقاولات انتخابية لا تهتم بمشاكل المواطن إلا أثناء الزمن الانتخابي عبر الاستغلال السياسي لهموم المواطنين الاقتصادية و الاجتماعية.
إن تطور الفعل الاحتجاجي و تأويل دلالاته المادية و الرمزية يفترض كذلك ربطه بسياق التراجع التدريجي عن مكتسبات دستور 2011، لأن هذا الأخير جاء متضمنا للكثير من الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و كذلك السياسية التي من المفترض أن يشكل الالتزام بها فرصة و وسيلة لإعادة مد جسور الثقة بين المواطن و الدولة. إلا أن طرق تنزيل مقتضيات هذا الدستور لم تستطع بعد أن تدفع بعجلة التغيير السياسي إلى الأمام و تسرع من وثيرة دمقرطة النظام السياسي، بل أصبحنا نشهد مسارا تراجعيا يعكس طبيعة العراقيل التي يصطدم بها مسلسل بناء الديمقراطية بالمغرب.
لذا يجب قراءة أحداث الريف في إطار هذا التراجعات التي ألقت بظلالها على مسار الانتقال المغربي و أعادت الراهنية للكثير من الأسئلة المتمحورة أساسا حول مستقبل بناء دولة المؤسسات بالمغرب، إذ لازال الإرث المخزني يقف عائقا أمام كل محاولة تتغيأ دمقرطة بنيات الدولة المغربية. إن الإنتقال من الدولة المشخصنة إلى الدولة الممأسسة يتطلب إعادة النظر في طرق اشتغال أجهزة الدولة مع إعادة الاعتبار للقانون و للمواطن. هذا الأخير الذي أصبح يفقد تدريجيا الثقة في مؤسسات الدولة، و هذا ما قد ينتج عنه تأكل مشروعيتها.